حسن الأمين
149
مستدركات أعيان الشيعة
عمل اللغوي « واعتللت أنا بما عندي أنه علة لما عللته » فعمل الخليل والحال هذه تحليل اللغة من خلال المادة الكلامية التي ينتجها العربي الذي « ينطق على سجيته وطباعه » فالعربي يتكلم بالعودة إلى ملكته اللغوية أو معرفته الضمنية بالقواعد ، فيأتي بعد ذلك دور اللغوي الذي يحاول من خلال هذه المادة المتوافرة لديه والتي هي كلام العرب الموثوق بهم بطبيعة الحال ، أن يتوصل إلى أصول قواعد اللغة العربية ، فالخليل إذا يعتل أي يبين علة المسائل اللغوية فيذكر الأوجه من الإعلال وهو في ذلك يقوم بتفسير اللغة . وما يجدر لفت الانتباه إليه أنه لا يجزم بان العلة التي يتبينها هي التفسير الوحيد إنما التفسير الذي توصل إليه من خلال تحليل المادة التي يتناولها . اعتماد المنهجية التفسيرية في التحليل اللغوي « وقد صحت عنده ( الرجل الحكيم ) حكمة بانيها بالخبر الصادق بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة . فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها قال : إنما فعل هذا هكذا لعلة كذا وكذا ولسبب كذا وكذا سنحت له وخطرت بباله » . يتبين لنا من قول الخليل هذا أنه يعتمد منهجية تفسيرية في مجال التحليل اللغوي . فاللغوي حين يقف على مسائل اللغة إنما يحاول أن يحللها ويفسرها ، ويستند في عمله هذا على الخبر الصادق والبراهين الواضحة والحجج اللائحة . تقوم منهجية الخليل التفسيرية بالذات على اعتماد الأدلة المتنوعة ، وهي منهجية علمية دقيقة تركز على كل مسألة وتفسرها وتستخرج العلة والسبب ويتم إقرار المسائل من خلال تقديم البراهين والحجج التي بإمكانها إثباتها . فالخليل لا يكتفي بوصف المعطيات اللغوية إنما يحاول تفسيرها . والقواعد التي يستنبطها قواعد تفسيرية تضع الفرضيات التفسيرية لقضايا اللغة . إذا تأملنا عملية التحليل الألسني ، في ظل النظرية الألسنية التوليدية والتحويلية ، وجدنا أن هذه العملية قائمة على منهجية اعتماد الأدلة والحجج المتنوعة لدراسة اللغة . الباحث في هذا الإطار ينطلق من وصف المعطيات اللغوية فيحاول وضع فرضيات تفسيرية لتفسير هذه المعطيات ويسعى إلى الإتيان بأكبر عدد ممكن من الأدلة لاقرار هذه الفرضيات وإخضاعها من ثم للتجربة ليتحقق منها ويعدل فيها إلى أن يصل إلى اعتماد الفرضيات التي بإمكانها تفسير المعطيات اللغوية ، التحليل الألسني هذا يستند إلى الحجج والأدلة لاقرار التحليل . ومن النادر جدا أن يكتفي التحليل بإيراد الحجة الواحدة بل غالبا ما يقوم على تراكم الأدلة وتلاقيها . فالحجة إنما تكتسب قدرتها الاقناعية حين تندرج ضمن مجموعة من الحجج تبرهن مجتمعة ملاءمة التحليل للقضايا اللغوية . جملة القول أن التحليل الألسني في ظل النظرية التوليدية والتحويلية يتخذ شكل إقرار المعطيات استنادا إلى البراهين والحجج المتنوعة بهدف تفسير قضايا اللغة ، ونلاحظ أن الخليل بن أحمد في نصه هذا يعتمد منهجية تفسيرية في مجال التحليل اللغوي لا تبتعد كثيرا عن المنهجية المعتمدة في إطار الألسنية التوليدية والتحويلية . تعدد القواعد للمسألة الواحدة ومسألة تقييم القواعد . « سنحت له ( العلة ) وخطرت بباله محتملة لذلك » . واضح هنا أن الخليل لا يجزم بان تفسيره للمسائل اللغوية هو التفسير الوحيد . وما يتطلبه من التفسير الذي يأتي به للقضايا اللغوية هو أن يكون محتملا لهذه القضايا بكلام آخر ينبغي أن يكون هذا التفسير قابلا لأن يعتبر تفسيرا مقنعا للمسائل التي يحللها ، وليس بالتالي التفسير الوحيد إذ بالإمكان أن يكون للمسألة الواحدة أكثر من تفسير واحد . يقول الخليل « فجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار ، وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة ، إلا أن ذلك مما ذكره الرجل محتمل أن يكون علة لذلك » . فالمسألة الأساسية في عملية استنباط القواعد ليست في اكتشاف القواعد الوحيدة التي تفسر مقدرة التكلم عند العرب إنما في اكتشاف قواعد متماسكة بالإمكان القول عند التحقق منها أنها صالحة لأن تكون قواعد للقضايا اللغوية التي أخضعت للبحث والتحليل ، فالخليل وعى إمكان الإتيان بأكثر من قاعدة تفسر المسألة الواحدة ، كما وعى أن تعدد القواعد التي تفسر المسألة الواحدة لا يسيء إلى البحث اللغوي . إلا أنه ينبغي في هذه الحال اعتماد معايير ثابتة لإتمام عملية الاختيار بين هذه القواعد . نلاحظ أن الخليل يعتمد معيارا ثابتا لاختيار القواعد الأنسب . يقول : « فان سنح لغيري علة لما عللته من النحو هي أليق بالمعلول فليأت بها » فالمعيار المعتمد هو مدى التصاق القاعدة بالقضايا اللغوية ومناسبتها لها . القاعدة ينبغي أن تكون أليق أي أكثر التصاقا بالمعلول ( لاق بالشيء بمعنى لاذ به ولصق به وعلق به ) لكي يتبناها اللغوي . وعى الخليل هذه المسألة التي ترتدي حاليا أهمية بالغة في التحليل الألسني . أكثر من ذلك اعتمد معيارا ثابتا لتفضيل قاعدة على أخرى ، وهو معيار اللياقة أو الملاءمة ، إذ ينبغي على القاعدة للأخذ بها أن تكون « أليق بالمعلول » أي ملائمة على نحو أفضل للمعلول ، والمعلول هنا كلام العرب الصادر عن الملكة اللغوية والمناسب للقواعد المضنية القائمة في عقل المتكلم وضمن ملكته اللغوية . تهتم النظرية التوليدية والتحويلية بموضوع تقييم القواعد والتأكد من صحتها . ويعود الفضل إلى هذه النظرية في وضع معايير ومبادئ عامة ودقيقة بالإمكان - وفقها - اعتماد القواعد الملائمة التي بإمكانها وصف المعطيات اللغوية . والسؤال المطروح في هذا المجال هو التالي : كيف بإمكان الباحث أن يختار بين قواعد عدة صالحة لتفسير المعطيات اللغوية ؟ والجواب على هذا السؤال يكمن في اختيار القواعد الأكثر ملاءمة للمعطيات اللغوية . تميز النظرية في هذا المجال بين الملاءمة الخارجية والملاءمة الذاتية . ويقصد بالملاءمة الخارجية ملاءمة القواعد للمادة اللغوية التي تحللها هذه القواعد . وفي هذا الصدد يقول تشومسكي : « يمكن اعتبار القواعد بمثابة نظرية اللغة . تكون ملائمة من الناحية الوصفية حين تصف بشكل صحيح الملكة اللغوية الضمنية العائدة إلى متكلم اللغة المثالي » ( 1 ) ولاحظنا أن الخليل يعتمد بالذات هذا المعيار . كما يقصد في المقابل بالملاءمة الذاتية تناسب القواعد مع بعض المعايير المنهجية وأهمها البساطة والتعميم الألسني والشمول وسهولة التطبيق . إلا أننا لن نتطرق هنا إلى هذه المسألة .
--> ( 1 ) Noam Chomsky ( 1965 ) 24 . Aspects of the Theory of Syntax Cambridge , Mass The . M . I . T . Press